الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

74

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الملك لطفا من اللّه بالأمة التي آوت يوسف - عليه السّلام - ، ووحيا أوحاه اللّه إلى يوسف - عليه السّلام - بواسطة رؤيا الملك ، كما أوحى إلى سليمان - عليه السّلام - بواسطة الطير . ولعل الملك قد استعد للصلاح والإيمان . وكان ما أشار به يوسف - عليه السّلام - على الملك من الادخار تمهيدا لشرع ادخار الأقوات للتموين ، كما كان الوفاء في الكيل والميزان ابتداء دعوة شعيب - عليه السّلام - ، وأشار إلى إبقاء ما فضل عن أقواتهم في سنبله ليكون أسلم له من إصابة السوس الذي يصيب الحب إذا تراكم بعضه على بعض فإذا كان في سنبله دفع عنه السوس ، وأشار عليهم بتقليل ما يأكلون في سنوات الخصب لادخار ما فضل عن ذلك لزمن الشدة ، فقال : إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ . والشداد : وصف لسني الجدب ، لأن الجدب حاصل فيها ، فوصفها بالشدة على طريقة المجاز العقلي . وأطلق الأكل في قوله : يَأْكُلْنَ على الإفناء ، كالذي في قوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [ سورة النساء : 2 ] . وإسناده بهذا الإطلاق إلى السنين إسناد مجاز عقلي ، لأنهن زمن وقوع الفناء . والإحصان : الإحراز والادخار ، أي الوضع في الحصن وهو المطمور . والمعنى : أن تلك السنين المجدبة يفنى فيها ما ادخر لها إلا قليلا منه يبقى في الإهراء . وهذا تحريض على استكثار الادخار . وأما قوله : ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ فهو بشارة وإدخال المسرة والأمل بعد الكلام المؤيس ، وهو من لازم انتهاء مدة الشدة ، ومن سنن اللّه تعالى في حصول اليسر بعد العسر . و يُغاثُ معناه يعطون الغيث ، وهو المطر . والعصر : عصر الأعناب خمورا . وتقدم آنفا في قوله : أَعْصِرُ خَمْراً [ سورة يوسف : 36 ] . [ 50 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 50 ] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ( 50 ) قال الملك : ائتوني به لما أبلغه الساقي صورة التعبير . والخطاب للملإ ليرسلوا من